-1-
شملتني الثورة الأخيرة بدفء الأمل في أن مستقبلي و مستقبل هذا البلد لم يعد مظلما بالقدر التشاؤمي الذي كنت اعتقده , وأ دركت كم كنت خاطئا عندما صدقت –بل وروجت- لفكرة استكانة المصريين و كيف انهم من اشد الشعوب خنوعا وامتثالا لحاكمهم , بل وتبجيله لدرجة التأليه. صدقت هذا و عميت عن الجذوة التي كانت تشتعل. لم ار هذا الامل وقتها, وكانت كل أهدافي المستقبلية تنحصر في كيفية الخروج من هذا الوطن وعدم الرجوع إليه معللة بشعوري باليأس و الإحباط . لكن الثورة مس شعاعها جمرة الأمل داخلي فأشعلتها و أحرقت بها أوهام اليأس , فغيرت نظرتي لبلدي وجيلي و مستقبلي.
انها هبة من الله,في اشد اللحظات ظلاما, ووسط مخططات ظلامية نساق بها كالقطيع الي مصائر سوداء, أن تاتي ثورة تونس وتلهم المصريين, فيلبون النداء أن حي على الكرامة ,و من ثم يرى العالم العربي ان الحرية ممكنة فينتفض ضد الظلام , ونرى نحن المصريين تأثيرنا على العالم , فنعجب كيف كنا نرضى بالإهانة ونرضخ لمن قالو اننا فقراء وضعفاء ودول عالم ثالث و كأنهم يشحذون بنا.
لقد أثبتت الاحداث التي جرت أننا اكبر مما نعنقد بمراحل , أن بلادنا رغم ما تواجهنا من تحديات لهل تأثير فعال ودور عظيم غفلنا عنه, وهذا التاثير ليس بالمال أو بالسلاح إنما هو بثروتنا البشرية وعقولنا التي تمثل قوة فكرية وثقافية مؤثرة في العالم , رغم نواح النظام القديم وحاكمه المخلوع بأن الزيادة السكانية هي سبب المصائب معلقين عليها أخطائهم وسوء ادارتهم , وها هي ثروتنا البشرية تبرز أهميتها و تنهض لترينا عرضا لما يمكن ان يكون إن احسنّا استغلالها .
دعونا لا نضيع هذه الهبة ابدا , لنحمي ثورتنا لنا ولأبنائنا من بعدنا, دولة مدنية نحلم فيها ونحقق أحلامنا المشروعة , تكفل لنا الكرامة ولأولادنا, يفخر المنتمي إليها أينما ذهب ليس عصبية وقبلية ولكن فخر انتماء لكيان مستنير, نهض مرة أخرى ليعلم البشرية كما فعل دوما. ولا نسمح بأن تسرق منا بلدنا ثانية تحت أي ادعائات دينية أو أمنية أو أي كان الشعار الذي تتستر به .
و أظن ان اهم خطوة هي توعية هذا الكيان البشرى العملاق بقضاياه و حقوقه و مبادئ الحرية والتسامح ,وبأن التنوع والاختلاف المادي والفكري والعقائدي يثرينا ويضيف إلينا, فهذا الكيان هو الثروة التي تصنع المعجزات..
-2-
و لكي لا يكون هذا الامل مخدرا دون ان نحصل من طاقته الابداعية على أي تغيير ملموس, يجب ان ندرك مشاكلنل وتحدياتنا إدراكا ملما بها, حتى نستطيع ان نضع خطط فعالة للحلول و المواجهة.
فمثلا الثورة البشرية التي ذكرناها تواجه تحديات كفيلة ان تحولها لنقمة ؛ بأن تصبح سيلا او قطيعا ضخما من الجهل والتخلف والفقر. فهي تعاني من سوء توزيع نراه ونحس به يوميا ,مما لا يعطي أفرادها المساحة الكافية للنمو و التطور, وهذا لان النظام السابق قام – ربما لتوطيد حكمه – بتركيز السلطات والخدمات في اماكن محددة على رأسها العاصمة, وحرمت باقي المناطق , حتى ان بعضها يعيش في ظلام يشبه العصور الوسطى . وهذا ما يجب ان ينتهي . يجب ان تمد الخدمات في الاقاليم والريف والا سيستمر نزوح اهل هذه المناطق الي العواصم والمدن الكبرى فيختنق هؤلاء ويطحن هؤلاء . وهذا التحدي هو الاكبر على المدى البعيد ولا يمكن ان تضطلع به الحكومة وحدها بل يجب ان نشارك في و نضغط و نطالب بان تحصل هذه المناطق على حقوقها.
اما خارجيا فالدور المصري الذي فرغ و تسابق الاخرون على ملئه, فما حدث مؤخرا يبشر باننا من الممكن ان نعوض ما قد فات وان الضرر ليس مزمنا , مع العلم ان نجاحنا في بناء دولة ديمقراطية حرة يضيف لهذا الدور ويدعمه لانه سيصبح معبرا عن ارادة شعب تقف خلفه وليس عن ارادة نظام كل ما يهمه هو دوام دولته. وهنا اريد ان اوضح اني ارى مصر اكبر من اي صراع أو دور اقليمي ويجب ان نتعامل على هذا الاساس يجب ان ننافس العمالقة وليس دول الاقزام . وان ما كانت تقوم به الانظمة العربية من اقتتال على الفتات يجب ان ينتهي . اذا كنا نريد ان نصبح من الكبار في هذا العالم فيجب ان توضع اهدافنا ومواقفنا على هذا الاساس , والفرصة مواتية فالعالم يشهد صعود قوى جديدة وهبوط أخرى قديما مما يعطينا خيارات أكثر في الحركة ويخلق العديد من التوازنات الدولية الجديدة التي من الممكن ان نكون ركنا فعالا بها.
والاقتصاد الوطني يواجه مشاكل عديدة اولها الحكومة المثقلة بالديون الداخلية والخارجية و الكم الهائل من الموظفين الذي يثقل البلد ولا يضيف له في الحقيقة شيئا. و الطبقة المتغولة من رجال الاعمال الفاسدين التي امتلئت جيوبها من فساد النظام السابق الى اخر القائمة المليئة بالعقبات. يجب ان نكف عن التعلق بالتوظيف الحكومي و لابد ان ندعم كأفراد الصناعات والمنتجات الوطنية و نشجع القطاع الخاص و خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة. و طبعا لا ننسى القطاع الزراعي الذي كان يتم تخريبه بشكل منهجي.
و طبعا السؤال هنا (طب نعمل إيه). الاجابة هي ان الحل يكمن في ان نضمن بناء نظام ديمقراطي لا يدار فيه شيئ بعيد عن اعيننا, ثانيا ان ننتخب اصحاب البرامج الإصلاحية في هذه القطاعات , ونتابع التقدم الفعلي الذي يتم تحقيقه بها , لتصبح من اولويات اي حكومة منتخبة .هذا بالطبع بالإضافة إلي التوعية بأهمية هذه القضايا وتأثيرها على مستقبلنا .
و اخيرا يجب ان ندرك أن هذه التطلعات والآمال لن تتحقق إلا اذا نجحنا في تحقيق القاعدة الاساسية لها وهي العدالة والحرية والديمقراطية. وإلا فهي مجرد أحلام وردية …….